احمد البيلي
94
الاختلاف بين القراءات
خالف النص المشهور في قوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ( التوبة / 128 ) بضم . الفاء القراءة المقبولة ، ذكرت قراءة بفتح الفاء « من أنفسكم » على أنها قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « وفاطمة وعائشة » « 41 » وجاء في مصادر القراءات والتفسير عن هذه القراءة ما يلي : وقرأ ابن عباس ، وأبو العالية ، والضحاك ، وابن محيصن ، ومحبوب عن أبي عمرو ، وعبد اللّه بن قسيط المكي ، ويعقوب من بعض طرقه : « من أنفسكم » بفتح الفاء . وهي قراءة شاذة ، لم تنقل بالسند المتواتر « 42 » . لقد وقف القارئ في الفصل الأول على معنى الحديث النبوي الصحيح « أنزل القرآن على سبعة أحرف » وهناك فصلت القول وأوضحت أن اختلاف القراءات مأذون به من اللّه سبحانه وتعالى فإذا قرأ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم آية بوجهين أو أكثر ، كانت الوجوه كلها من اللّه تعالى ، إذ يستحيل شرعا أن يبتدع النبي عليه الصلاة والسلام شيئا لم ينزل عليه ، وهو يتلو قوله تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( الحاقة / 44 - 46 ) وعلى هذا ، فالقراءتان صحيحتان معنى ، وموافقتان للغة والرسم ، وكل ما في الأمر أن إحداهما صارت متواترة ، والأخرى لم تكن كذلك . وان القراءتين مكملتان بعضهما ففي القراءة الأولى نص على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم من جنس البشر لا من الملائكة ولا من الجن ، هذا إذا تأولنا الخطاب في « جاءكم » للناس كافة . وإذا تأولنا الخطاب للعرب كان المعنى من قومكم ومن إحدى قبائلكم ، وأما القراءة الثانية « من أنفسكم » بفتح الفاء ، فدلالتها أنه من أشرفكم نسبا وأعزكم مكافة فاللفظ مشتق من « نفس » بضم الفاء ، نفاسة ، والمعنى عزّ عزّة . ويقال فيه « أنفس » الرباعي والصفة منه « منفس » وعليه قول الشاعر « 43 » :
--> ( 41 ) مذاهب التفسير الإسلامي ص 51 . ( 42 ) أبو حيان : البحر المحيط 5 / 188 وفتح القدير 2 / 420 وإتحاف فضلاء البشر ص 246 ومختصر في شواذ القرآن لابن خالويه ص 56 . ( 43 ) أساس البلاغة ( نفس ) .